القاضي عبد الجبار الهمذاني

164

المغني في أبواب التوحيد والعدل

في الاستثناء ؛ فيجب أن ينصرف الكلام عن الاستثناء ، فنقول : وإن كان لفظه لفظ الاستثناء فالمراد به ما يجرى مجرى استئناف كلام يكون المقصد به إزالة الشبهة عن القلوب . فكأنه عليه السلام ظن أنه لو أطلق لدخلت الشبهة على قوم في أن يكون عليه السلام نبيا بعده ، فأزال هذه الشبهة بما يجرى مجرى الابتداء من القول ، فيصير كأنه قال : « أنت يا علي منى في هذه الحال بمنزلة هارون من موسى » ليس بأن يتناول الحال أولى من المستقبل . قيل له : إن ظاهر الكلام لا يقتضي إلا الحال ، وإنما يقتضي المستقبل من جهة المعنى ، لا من جهة اللفظ . ومن حق الاستثناء أن يعود إلى اللفظ لا إلى المعنى ، فلا يصح ما ذكرته . يبين ما ذكرناه أنه لو يعتبر منزلته في المستقبل لم يبطل حكم اللفظ ، ولو كانت منزلته غير حاصلة في الحال لبطل حكم اللفظ وعلمنا أن الّذي يقضيه « 1 » الظاهر هو الحال ، وإنما يحكم بدوامه من جهة المعنى وذلك يبين صحة ما ذكرناه . على أنه إن حصل ذلك دلالة على ما قالوه ، بأن يقال : لم يكن لهارون من موسى منزلة الإمامة بعده البتة ، فيجب إذا كان حال على من النبي عليهما السلام حال هارون من موسى عليهما السلام أن لا يكون إماما بعده لكان أقرب مما تعلقوا به ؛ لأنهم راموا إثبات منزلة مقدرة ليست مذكورة بهذا الخبر ، فإن ساغ لهم ذلك ساغ لمن خالفهم أن يدعى أن الخبر يتناول نفى الإمامة بعد الرسول ، من حيث لم يكن ذلك لهارون بعد موسى . ومتى قالوا : ليس ذلك مما يعد من المنازل حتى يتناوله الخبر ، قلنا لهم مثله في المقدر الّذي ذكروه . وبعد فإنه يقال لهم : قد ثبت أن منزلة هارون من موسى الشركة في النبوة

--> ( 1 ) كذا في الأصل ، ولعلها ( يقتضيه )